
إصلاح التعليم المغربي 2015-2030: رسالة ضائعة وبوصلة مكسورة
حين نضع المدرسة المغربية تحت مجهر التقييم الحقيقي، لا نجد أمامنا منظومة تعليمية تعاني من شح الإمكانات أو غياب النوايا، بل نجد منظومة تملك النصوص والهياكل والأدوات، لكنها عجزت عن تحويل هذا الثراء التخطيطي إلى واقع تربوي ملموس. هذا هو جوهر التشخيص الذي يفرض نفسه بعد قراءة متأنية لمسار إصلاح التعليم المغربي على امتداد العقد الممتد بين 2015 و2030.
رسالة مصاغة بإتقان، لكنها مجهولة في الميدان
لا يمكن إنكار أن الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 شكّلت منعطفاً نوعياً في تاريخ التعليم بالمغرب. فبدلاً من الاكتفاء بمنطق الولوج الكمي، جاءت هذه الرؤية حاملةً لمشروع مجتمعي يضع جودة التعلمات للجميع، والتحرر الاجتماعي، وتعزيز المواطنة الفاعلة في قلب غاياته. والإطار القانوني المرافق لها متين في ظاهره؛ إذ يُلزم القانون الإطار 51.17 بمراجعة دورية لرسالة المدرسة، فيما يضطلع المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بدور الحارس على الثوابت الدستورية والتوجهات التربوية. بيد أن هذا الصرح القانوني الشامخ على الورق يتصدع حين نقترب من الممارسة الفعلية.
التقييم الدوري: وعود معلقة وتراجع مقلق
نصّ القانون الإطار على إجراء تقييمات ثلاثية منتظمة، غير أن التقييم الوحيد الذي أُنجز فعلياً كان في عام 2018. أما دورتا 2021 و2024 فقد غابتا تماماً؛ الأولى بسبب فراغ مؤسساتي في تركيبة المجلس، والثانية بسبب ما يبدو ريبة حكومية من أي تقييم مستقل، لا سيما بعد أن نشر المجلس الأعلى تقريراً نقدياً موضوعياً حول مشروع “المدارس الرائدة”، وهو المشروع الذي يُعدّ ركيزة خارطة الطريق الوزارية 2022-2026. وبدلاً من مواجهة هذه الاستنتاجات، لجأت الحكومة إلى تحويل مهمة التقييم من الهيئة الوطنية للتقييم إلى المرصد الوطني للتنمية البشرية، وهو جهاز تابع لرئاسة الحكومة يفتقر إلى أي اختصاص تربوي متخصص، الذي أسند بدوره المهمة إلى مكاتب دراسات خاصة لم تُثبت حيادها ولا كفاءتها القطاعية. هذا الاستبدال يكشف عن نزوع واضح نحو إقصاء العلم لصالح التواصل، واستبدال التحليل الدقيق بالسرد المريح.
النموذج التنموي الجديد يُهمّش القانون الإطار
بلغ الارتباك الاستراتيجي ذروته مع صعود النموذج التنموي الجديد الذي رعته الحكومة المنبثقة عن انتخابات 2021. فالبرنامج الحكومي 2021-2026 لا يُشير إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 ولا إلى القانون الإطار 51.17 بكلمة واحدة، محيلاً كل ما يخص التعليم حصراً على النموذج التنموي الجديد. وقد تجلت نتائج هذا الانقطاع في غياب اللجنة الوطنية لتتبع الإصلاح عن الاجتماع طوال الولاية باستثناء مرة يتيمة، وفي الموقف من رسوم التعليم الخاص الذي فضّل الاحتجاج بقانون المنافسة عوض تطبيق ما نصّ عليه القانون الإطار صراحةً من ضرورة تنظيم هذه الرسوم بمرسوم.
إصلاح التعليم المغربي بين مشاركة صورية وأرقام صادمة
على صعيد البناء المشترك، نظّمت الحكومة استشارة واسعة ضمّت أكثر من 100 ألف مشارك وجمعت نحو 30 ألف مساهمة عبر منصة “مدرستنا”، وهو جهد يستحق الإشادة في حجمه. لكن الحجم لا يصنع التأثير الحقيقي؛ إذ ظل الآباء والتلاميذ في دور استشاري محض دون سلطة فعلية، وبقي الأساتذة منفذين لمناهج وسيناريوهات بيداغوجية تُصاغ في الرباط. وقد ترجمت هذه الهوة أرقامٌ لا تُطاق: فبحسب الاستقصاء الوطني للهيئة الوطنية للتقييم لعام 2019، يرضى أقل من 40% من الآباء عن جودة التعلمات وملاءمتها لسوق الشغل رغم أن 80% منهم راضون عن ولوج أبنائهم للمدرسة. وارتفعت نسبة المتمدرسين في التعليم الخاص من 15.9% عام 2015-2016 إلى 20% في 2025-2026. وعلى صعيد المؤشرات الدولية، لم يبلغ سوى 18% من تلاميذ الإعداد الحد الأدنى في العلوم وفق TIMSS 2023 مقارنة بنحو النصف في 2019، فيما يُعرب 25% من التلاميذ المغاربة في PISA 2022 عن شعورهم بالغربة داخل مدارسهم. ويستمر الهدر المدرسي في استنزاف نحو 276 ألف طفل سنوياً.
نحو استعادة البوصلة الإصلاحية
إن ما تحتاجه المنظومة التعليمية المغربية ليس طبقة إصلاحية جديدة فوق طبقات متراكمة، بل عودة صادقة إلى الأساسيات. أولها: إعادة السيادة للقانون الإطار 51.17 بوصفه المرجع الملزم لجميع السياسات التربوية، مع قراءة النموذج التنموي الجديد باعتباره مكملاً لا بديلاً. وثانيها: استعادة استقلالية التقييم وإعادة الاعتبار للهيئة الوطنية للتقييم بعيداً عن الاعتبارات السياسية. فمدرسة لا تعرف حقيقتها لا يمكنها أن تُعلّم أبناءها الحقيقة.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..