
حبس نافذ لدركي انتحل صفة قاضي تحقيق بالرباط
قضت هيئة الحكم بالمحكمة الابتدائية في الرباط، مساء الخميس الماضي، بإدانة عنصر من الدرك الملكي كان يعمل بالقيادة الجهوية للدرك بالرباط، وذلك على خلفية تورطه في جريمة انتحال صفة قاضي تحقيق بهدف النصب والاحتيال على عائلة أحد المتهمين في قضية سرقة منظورة أمام المحكمة ذاتها. وجاء الحكم بعد أن ظل المتهم رهن الاعتقال طوال مراحل التحقيق والمحاكمة.
تفاصيل الأحكام القضائية الصادرة بحق المتهمَين
قضت المحكمة الابتدائية بالرباط بإدانة الدركي المتهم الرئيسي بعقوبة سجن سنة وستة أشهر نافذة، فضلاً عن غرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم. وفي الوقت ذاته، طالت الإدانة متهماً ثانياً، وهو عسكري ثبت تورطه بوصفه شريكاً في جريمة النصب والاحتيال، غير أن العقوبة الموقعة عليه جاءت أخف وطأة، إذ صدر بحقه حكم بثلاثة أشهر حبساً موقوف التنفيذ، إلى جانب غرامة مالية بلغت ألفي درهم، وكان هذا المتهم الثاني قد تابعت النيابة العامة قضيته في حالة سراح منذ البداية.
كيف بدأت قضية انتحال صفة قاضي تحقيق؟
تعود جذور هذه القضية إلى منتصف الشهر الماضي، حين فجّر أحد أقارب متهم موقوف في ملف قضائي يتعلق بتهمة شراء المسروقات قنبلةً إعلامية، بعد أن أفصح عن تعرضه لعملية ابتزاز ممنهجة. وأوضح هذا القريب أن شخصاً تقدم إليه مدعياً أنه يشغل منصب قاضي التحقيق بمحاكم عدة في الرباط، من بينها المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف، وأنه يمتلك نفوذاً واسعاً يمكّنه من التأثير في مسار الملفات القضائية لصالح من يدفع. وقد طالب هذا الشخص بمبلغ ضخم يناهز خمسين ألف درهم مقابل تدخله المزعوم لدى «زملائه» القضاة، من أجل التأثير في الحكم المنتظر بحق قريبه المتابع.
يقظة الضحية أفشلت مخطط الاحتيال
على الرغم من الوعود المغرية التي أغدقها الدركي المتهم على ذوي الموقوف، فإن أحد أفراد عائلة المتهم أدرك في وقت مبكر أنه أمام عملية احتيال مدبّرة، فلم يتردد في اللجوء إلى النيابة العامة المختصة وتقديم شكوى رسمية. وسارعت النيابة العامة إلى فتح تحقيق فوري، وأحالت الملف إلى الفرقة الوطنية للأبحاث القضائية التابعة للقيادة العليا للدرك الملكي بالرباط للكشف عن ملابسات الجريمة وهوية مرتكبيها.
التحقيقات تكشف هوية المتهم في زمن قياسي
انطلقت عناصر الفرقة الوطنية للأبحاث القضائية في عملها فور تلقي التكليف، وأسفرت التحريات الأولية عن الكشف السريع عن هوية المتهم الذي تبيّن أنه في العقد الرابع من عمره، ويعمل ضمن صفوف الدرك الملكي في القيادة الجهوية بالرباط. وما إن حُددت هويته حتى جرى إيقافه ووضعه رهن الحراسة النظرية، كما صودر هاتفه المحمول لتوظيفه في البحث الجنائي. وكشف الفحص التقني الذي أجري على محتويات الهاتف أدلةً دامغة أكدت تورطه المباشر في عملية الاحتيال وانتحال الصفة.
المواجهة المباشرة تُسقط ادعاءات المتهم
لم تكتفِ أجهزة البحث بالأدلة التقنية، بل أقدمت على تنظيم مواجهة مباشرة بين الدركي المتهم وأفراد العائلة التي استهدفها بعملية النصب، وهو ما أكد المعطيات والتصريحات التي وردت في محضر الشكاية الأصلي. وتشير ملابسات القضية إلى أن المتهم لجأ إلى أسلوب منظم ومدروس في تنفيذ عمليته الاحتيالية، إذ حرص منذ اللحظة الأولى على تقديم نفسه بوصفه قاضياً متنفذاً داخل الدائرة القضائية بالرباط وسلا، يحظى بعلاقات وطيدة مع زملائه القضاة تمنحه القدرة على التوجيه والتأثير في مجريات القضايا.
الإحالة على القضاء وقرار الاعتقال
عقب استكمال إجراءات البحث تحت إشراف النيابة العامة المختصة بالمحكمة الابتدائية في الرباط، أُحيل الدركي المتهم على وكيل الملك، ثم على قاضي التحقيق الذي بادر إلى إصدار أمر بمتابعته في حالة اعتقال نظراً لجسامة الأفعال المنسوبة إليه. في المقابل، خضع المتهم الثاني، وهو العسكري المشارك في الجريمة، للمتابعة القضائية في حالة سراح، قبل أن تُدينه المحكمة في نهاية المطاف بعقوبة موقوفة التنفيذ. وتبقى هذه القضية نموذجاً صارخاً على خطورة استغلال الزي الرسمي والانتماء المؤسساتي في تنفيذ جرائم الاحتيال على المواطنين في أشد لحظاتهم هشاشة وحاجة.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..