الناقد الفني مصطفى الطالب يتحدث عن أزمة السينما العربية مع التاريخ والتراث

الطالب: السينما العربية والتاريخ.. عقدة وجودية وتوظيف للسلطة

  • وضع القراءة
حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في ظل موجة متصاعدة من النقاشات التي تشهدها الأوساط الثقافية والفنية العربية، تتصاعد الأصوات المطالبة بإعادة الاعتبار للأدب والتاريخ العربيين بوصفهما ركيزتين أساسيتين ينبغي أن تُغذّيا الصناعة السينمائية في المنطقة. وتأتي هذه المطالبات في سياق يرصد فيه المراقبون والنقاد توجيه حصة كبيرة من الاستثمارات نحو أعمال لا تعكس عمق الموروث الحضاري والثقافي للعالم العربي ولا تُعبّر عن حجم ما قدّمته هذه الحضارة للإنسانية.

ميزانيات ضخمة تُهدر على أعمال تافهة

في هذا الإطار، أبدى الناقد الفني مصطفى الطالب أسفه الشديد لما وصفه بتبذير الميزانيات الكبيرة في تمويل أفلام يعتبرها سطحية وخالية من أي قيمة فنية أو فكرية، فضلاً عن تنظيم مهرجانات لا تُسهم في بنائه الثقافي للمتلقي ولا ترتقي بذوقه الجمالي. وأشار الطالب إلى أن المفارقة الصارخة تكمن في هذا التناقض بين الإنفاق المبالغ فيه على ما هو هامشي، وبين الغياب شبه التام للأعمال السينمائية التي تستلهم روائع الأدب العربي أو تُحيي شخصيات تاريخية تركت بصمة راسخة في تاريخ الحضارة الإنسانية.

السينما الغربية نموذج في التعامل مع الموروث

ولفت الطالب الانتباه إلى النهج الذي تسلكه السينما الغربية في تعاملها مع تراثها الأدبي والتاريخي، مستشهداً بالملاحم الكلاسيكية الكبرى كـ”الإلياذة” و”الأوديسة” اللتين أُعيد تقديمهما على الشاشة في مناسبات عديدة. وفي هذا السياق، استحضر الطالب مشروع المخرج العالمي الشهير كريستوفر نولان الجديد دليلاً على حرص الغرب المستمر على توظيف إرثه الأدبي في أعمال سينمائية بارزة. وأكد الناقد أن الغرب لا يتردد في استثمار تاريخه وأدبه لإنتاج أعمال كبرى تُشاهَد على نطاق واسع وتُعرَّف العالم بحضارته، في حين يبقى العالم العربي متأخراً في هذا المضمار رغم ثقل إسهاماته الحضارية في مسيرة الإنسانية.

عقدة وجودية تحكم علاقة السينما العربية بالتاريخ

وفي تصريح أدلى به لموقع “العمق”، ذهب الطالب إلى أن علاقة العالم العربي بتاريخه باتت مأسورة بما أسماه “عقدة وجودية”، إذ لا تخرج الأعمال السينمائية التي تتناول هذا التاريخ في الغالب عن سياقين لا ثالث لهما: إما توظيفه لخدمة السلطة وتكريس شرعيتها، وإما تقديمه بصورة مشوّهة تُسيء إلى الحقيقة التاريخية. وشدد الطالب على أن أي مسعى جاد لبناء مستقبل أفضل لا يمكن أن يكتمل بمعزل عن فهم عميق للماضي واستيعاب دروسه والاستفادة منها في تشكيل الوعي الجمعي.

تخوف رسمي يُعيق المشاريع الجادة

كما كشف الناقد الفني عن وجود ما وصفه بتحفظ رسمي ومؤسسي من الاقتراب سينمائياً من التاريخين العربي والإسلامي، مُبيّناً أن هذا التحفظ ينعكس مباشرة على مصير المشاريع السينمائية الجادة المستوحاة من الأدب والتاريخ، والتي تجد نفسها في مواجهة جدران التهميش والرفض. وفي المقابل، يجد الدعم طريقه بسهولة إلى أعمال يرى الطالب أنها لا ترقى إلى مستوى الوعي الثقافي والفكري والحقوقي الذي تعيشه المجتمعات العربية اليوم، مما يُشكّل تناقضاً واضحاً بين توجهات الدعم الرسمي وتطلعات النخب الثقافية.

التهميش قد يُفضي إلى نتائج عكسية

وحذّر الطالب من أن الاستمرار في هذا النهج يحمل في طيّاته مخاطر جدية قد تأتي بنتائج عكسية تماماً لما تسعى إليه الجهات المعنية. وأوضح أن تغييب التاريخ من الفضاء الثقافي والفني ومن الإنتاجات السينمائية ليس خياراً آمناً، إذ قد يُهيئ الأرض لصعود خطاب تاريخاني متشدد طالما نظرت إليه السلطة ذاتها بعين الريبة والحذر. وبعبارة أخرى، فإن الإقصاء لا يُلغي الظاهرة بل قد يُغذّيها ويمنحها زخماً أكبر في الفضاءات التي لا تطالها الرقابة.

المغرب نموذج جاهز لاستضافة الإنتاجات التاريخية الكبرى

وختم الطالب تصريحاته بدعوة صريحة إلى دعم وتشجيع الإنتاجات السينمائية التي تستند إلى الرصيد الأدبي والتاريخي العربي الزاخر، بهدف نقل هذا الإرث من رفوف المكتبات والقاعات الجامعية إلى الشاشة الكبيرة التي يتابعها الملايين حول العالم. ورأى الناقد أن العوائق التقنية أو المتعلقة بمواقع التصوير لم تعد حجة مقبولة أو مسوّغاً كافياً، مستشهداً بالتجربة المغربية الناجحة في استقطاب إنتاجات سينمائية عالمية ضخمة، ومنها فيلم “الأوديسة” الذي جرى تصوير جزء منه في مدينة الداخلة. وخلص الطالب إلى أن الاستثمار في هذا النوع من المشاريع السينمائية لن تقتصر ثماره على الجانب الثقافي وحده، بل ستمتد آثاره الإيجابية لتشمل المجالين الاقتصادي والمهني، مما يجعله رهاناً رابحاً على أكثر من صعيد.