توضيح لمن يهمه الأمر، ولبعض المشوشين

توضيح لمن يهمه الأمر، ولبعض المشوشين

  • وضع القراءة
حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

في كل مرة نتفاجأ بمن يتطاولون ويحاولون إنكار الوصية الشرعية بمبررات أوهى من بيت العنكبوت. فتارة يزعمون أنّها لم تتحدث عن أخلاق الشيخ، وتارة يتعللون بأنّها لم تشر إلى طوله أو لباسه، وتارة يخترعون أعذارًا لا تسمن ولا تغني من جوع. وأكثر ما يثير الدهشة حقًّا أن بعضهم ذهب إلى القول بأن سيدي جمال قدّس الله سره كتب وصيته تحت الإكراه والضغط! أي شبهة هذه التي لا تقوم على عقل ولا نقل، ولا تصمد أمام سيرة الشيخ وأحواله، ولا أمام شهادات الفقراء والوقائع العيانية التي شهدناها معهم؟
للإشارة فقط، فالقول بمثل هذا، هو منتهى سوء الأدب في حق شيخنا سيدي جمال رحمة الله عليه، وسوء الاعتقاد به، وسوء التقدير لمقامه. فنحن الفقراء – ونحن أقل مقامًا وقدرًا – إذا شعَّت في قلوبنا بعض أنوار اليقين، لا نرضى أن نتنازل عن حق من حقوق الله أو نفرط في حق من حقوق العباد، مهما كانت الظروف، لأننا حينها نخشى لقاء الله ونخاف عواقب التفريط. فكيف إذن بالعارفين الكُمَّل، الذين قد يتسامحون في كل شيء إلا في الدين وإلا في طريق أهل الله؟ أيتصوّر عاقل أن شيخًا عارفًا بالله يحابي أو يتساهل في أمر الوصية والسر؟ هذا محض حمق في التصور، ومناقضة صريحة لجوهر التربية والعهد عند أهل الله والعارفين.
وسأورد هنا شهادة بسيطة في هذا الباب أرد فيها على هذا المزعم الباطل من أساسه، وذلك أني حضرت واقعة في أواخر عهد سيدي حمزة قدّس الله سره، يعرفها الفقراء ويؤكدها كل من عاش وصحب شيوخنا المباركين. فجميعنا يعلم حال سيدي جمال قدّس الله سره، وما كان عليه من مسكنة عظيمة وأدب متناهٍ في حياة والده. كان مثالًا للتواضع، لا يتصدّر لشيء، ولا يدّعي مقامًا، بل عاش في غاية الأدب والخمول، لا يصرّح بخصوصياته الروحية مع أنه كان أهلًا لها، وإنما آثر مقام الأدب مع والده على كل مقام وفي كل حال.
وقد شهدنا مواقف كثيرة تدل على هذا الخلق العظيم الذي كان دائم التحلي به. ومن ذلك أني حضرت مجلسًا مع سيدي حمزة، وكان فيه سيدي جمال وبعض الوافدين الجدد. فطلب سيدي حمزة من سيدي جمال أن يصافحهم، لكنه لم يسمع لكثرة الحاضرين. فلما أخبروه لم يبادر، حتى استأذن مباشرة من والده، في صورة بديعة لمنتهى الأدب، وعدم التقدّم بين يدي أبيه. وهي صورة من صور كثيرة يعرفها الفقراء، تشهد على طبيعة سيدي جمال في هذا الباب.
لكن ما أثار انتباهي، هو ما وقع في ختم اعتكاف غشت، آخر اعتكاف في زمن سيدي حمزة قدّس الله سره. ففي ليلة الختم وبعد انتهاء السماع والدرس، طلب شيخنا سيدي جمال رحمه الله من أحد الفقراء أن يدعو، فوقف ذلك الفقير يدعو مع الشيخ حينها سيدي حمزة، ومع سيدي جمال، ومع الفقراء. وكان سيدي منير جالسًا قبالة والده. فلما بلغ الداعي ذكر اسم سيدي منير ليدعو له، بمجرد ذكر اسمه، أوقفه سيدي جمال، وقال بعبارة سمعتها منه مباشرة، إذ لم يكن بيني وبينه سوى فقيرين “شخصين” فقط: “سيدي منير راه فيه الوليد، وفيه أنا، وفيه أهل الله كاملين، واللي قالها لكم سمعو ليه وامتثلو له”.
فحاول ذلك الفقير أن يبلّغ الحاضرين ما سمع قائلاً: “الفقراء، راه سيدي جمال قال: سيدي منير راه معاه الوليد ومعاه أنا….”، فبدّل لفظ “فيه” ب “معه” غير أنّ سيدي جمال أوقفه وصحّح له العبارة فورًا، قال له: “ماشي معاه، فيه”. وهذه إشارة بليغة للغاية، إذ المعنى ليس مجرد مرافقة أو معية، وإنما أن السر قد اجتمع في سيدي منير في ذاته، فصار وعاءً لجده سيدي حمزة، ولأبيه سيدي جمال، ولأهل الله أجمعين؛ أي لسرهم.
وللتنبيه، فإن الفقير الذي قام بالدعاء قد تنكّر لاحقًا لهذه الشهادة، مع أنه سمعها وبلّغها يومها للفقراء، كما تنكّر لشهادات أخرى سمعها من سيدي حمزة نفسه، وكان يحدث بها أمام الأشهاد.
لقد مضت تلك الليلة، وكنت أتأمل في عمق ما سمعت. وقد بدا لي أن سيدي جمال خرج عن المألوف في عباراته ليشير إشارة قوية لسيدي منير أمام الجمع. وكان ذلك موقفا واضحا لا يقبل التأويل، يثبت أنّ ما صدر عنه إنما كان عن وعي كامل وإرادة صافية، لا تحت ضغط ولا إكراه، بل في مقام صدق وإقرار.
وحين توفي سيدي حمزة قدّس الله سره، اتضح لي المعنى جليًا: لقد كانت تلك الكلمات أولى إشارات سيدي جمال بأن سيدي منير هو العمدة والخليفة والموصى له. وإذا نظرنا في سياق هذه الشهادة وظروفها، وجدنا أنها لم تكن في وعي جميع من حضر تلك الليلة، إذ لم يكن أحد يتوقع انتقال شيخنا سيدي حمزة حينها. فأي ضغط يُتوهَّم إذن؟ وهل كان سيدي جمال تحت تهديد خفي حينها؟ هيهات، بل هي كلمة صدق خرجت في مقام صفاء، لا تحتمل دعوى الإكراه بوجه من الوجوه.
وهيهات، فمهما حاول المشوشون أن يشوهوا هذه الوصية فلن ينجحوا، لأنها مؤيدة بما لا يمكن إنكاره من الكرامات والمشاهدات، وما تواتر من شهادات الفقراء والشيوخ، فضلًا عن التوثيق العدلي المعتبر. ومهما قالوا أو زعموا فلن يطفئوا نور الله، والله متم نوره ولو كره الكافرون.
وماذا عن وصية سيدي حمزة قدّس الله سره؟ هل يقال عنها أيضًا إنها كانت تحت تهديد أو ضغط؟ أكان شيخ الطريقة، الذي قضى حياته في العزّة بالله والصدق مع خلقه، ممن يُملى عليه أو يُكره على كلمة؟ هيهات! بل كانت وصيته واضحة، صريحة، عدلية، موثقة، جُهر بها في حياته، وتكررت على لسانه في المجالس العامة أمام المئات من الفقراء.
وماذا عن تلك المجالس التي جلس فيها الفقراء حول سيدي حمزة، وسمعوا منه مباشرة تأكيد الوصية وإقرار انتقال السر إلى سيدي منير حفظه الله؟ أكانت تلك المجالس بدورها تحت الضغط أو التهديد؟ وهل يُتَّهم كل أولئك الفقراء الذين سمعوا وعاينوا بأنهم كانوا مغلوبين على أمرهم؟ إن هذا الزعم ساقط بالعقل قبل النقل، ولا يقبله منصف.
الحقيقة أوضح من أن تُحجب؛ وصية سيدي حمزة، مثل وصية سيدي جمال، لم تكن أبدًا تحت ضغط، بل خرجت عن صفاء اختيار، وعن إرادة صادقة، وعن نورٍ بيّن أعلنه أهل الله وأكده الشهود، وثبته التوثيق العدلي. فمن أراد أن يُشكك بعد هذا، فإنما يتعامى عن الحق البيّن الذي يشهد له التاريخ والمجالس والوثائق.
يتبع…