
إنقاذ 16 بحاراً من الغرق قبالة سواحل الداخلة
كادت مياه المحيط الأطلسي أن تبتلع ستة عشر بحاراً كانوا على متن مركب صيد ساحلي بالجر، لولا التدخل السريع لطاقم سفينة صيد في أعالي البحار خلال ليلة السبت الماضي، قبالة سواحل مدينة الداخلة. وقد تحولت هذه الحادثة إلى شاهد جديد على تنامي الحوادث البحرية التي باتت تُقلق الأوساط المهنية والرأي العام في المناطق الجنوبية للمملكة المغربية.
اندلاع الأزمة البحرية وإطلاق نداء الاستغاثة
كان مركب الصيد الساحلي بالجر منهمكاً في رحلة اعتيادية للصيد، حين فاجأ طاقمه تسرب مفاجئ للمياه داخل غرفة المحرك وقمرة القيادة في آنٍ واحد. سارع البحارة إلى محاولة احتواء العطب والتصدي للمياه المتدفقة عبر شفطها للخارج، غير أن جهودهم لم تُجدِ نفعاً أمام استمرار تدفق المياه بصورة متصاعدة، فأدرك الربان أن الأمور تجاوزت قدرة الطاقم وحده على السيطرة. لم يتردد في إعلان حالة الطوارئ فوراً، وبث نداء استغاثة عاجل عبر جهاز اللاسلكي، محدداً إحداثيات موقعه وسط الأمواج.
سفينة أزهر 5 تقود عملية الإنقاذ بشجاعة
استجابت عدة سفن للصيد في أعالي البحار لنداء الاستغاثة، وتحركت باتجاه الموقع المحدد، إلا أن سفينة “أزهر 5” كانت السبّاقة إلى بلوغ مكان المركب المنكوب. لم تتوانَ في الانخراط فوراً في عملية إنقاذ البحارة وسط ظروف طبيعية بالغة الصعوبة، إذ تعاضدت عوامل عدة لتجعل من هذه المهمة اختباراً حقيقياً للكفاءة والشجاعة، في مقدمتها سوء الأحوال الجوية وارتفاع الأمواج، فضلاً عن ميلان المركب المتضرر بشكل حاد نحو جانب واحد مما زاد من تعقيد عمليات الإجلاء. وقد وثّق مقطع مصور مراحل العملية، وأظهر المناورات المتعددة التي اضطر طاقم “أزهر 5” إلى تنفيذها قبل أن يتمكن من إتمام إجلاء جميع البحارة بسلام. وما إن أُعلن عن إنقاذ آخر فرد من الطاقم، حتى أعلن ربان “أزهر 5” انتهاء العملية بنجاح تام، ليُقرر على الفور التوجه إلى ميناء الداخلة وتسليم البحارة المنقذين إلى البر الآمن.
حوادث مماثلة سبقت هذه الواقعة
لا تقف هذه الحادثة منفردة في سجل الحوادث البحرية التي شهدتها سواحل الأقاليم الجنوبية للمملكة، فقد سبقتها واقعة مركب الصيد الساحلي “سيدي كاوكي” الذي تعرض لغرق مماثل بسواحل إقليم بوجدور، حين اخترقت المياه قمرته وغرف قيادته وعجز طاقمه عن التعامل مع العطب. أطلق البحارة نداء استغاثة على الفور، فتحركت مراكب صيد ساحلية مجاورة بعد تلقيها الإحداثيات عبر أجهزة اللاسلكي. وكان مركب “أبو خليل” الأسرع في الوصول والتدخل، إذ أنقذ طاقم “سيدي كاوكي” قبل أن تصل خافرة الإنقاذ المنطلقة من ميناء بوجدور إلى موقع الحادثة.
تصاعد الحوادث البحرية يُثير تساؤلات جدية
تكشف المعطيات أن الأشهر الأخيرة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الحوادث البحرية التي طالت مراكب الصيد الساحلي وسفن الصيد في أعالي البحار والمراكب التقليدية على حدٍّ سواء، وقد خلّف بعضها ضحايا في صفوف البحارة، فيما نجا آخرون بصعوبة بالغة. ويرى المراقبون أن سواحل الأقاليم الجنوبية باتت تتحول شيئاً فشيئاً إلى مقبرة للمراكب والسفن، وهو ما يُلقي بظلاله على مجموعة من التساؤلات الجوهرية لا يمكن الإفلات منها.
السلامة البحرية ومراكب الصيد في قفص الاتهام
يضع تكرار هذه الحوادث منظومة السلامة البحرية أمام اختبار حقيقي، ويطرح تساؤلات ملحّة حول جملة من المحاور: هل تخضع مراكب الصيد لمراقبة تقنية فعلية قبيل مغادرتها الموانئ؟ وهل تعكس شهادات الفحص التقني الحالة الميكانيكية الفعلية لتلك المراكب؟ وكم منها يحمل وثائق صالحة ظاهرياً بينما هو في حقيقته غير مؤهل للإبحار وتهدد سلامته حياة من يعمل على متنه؟ يُضاف إلى ذلك التساؤل عن مدى قدرة بعض المراكب على قطع مسافات بحرية طويلة، وعن درجة التزام الطواقم والبحارة بالبروتوكولات العملية المعتمدة خلال رحلات الصيد. إن هذه التساؤلات مجتمعةً تستوجب وقفة جدية من الجهات المعنية، قبل أن تتحول الحوادث الفردية إلى كوارث جماعية.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..